أبو الليث السمرقندي
123
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
خلق الأصناف كلها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ يعني : ألوانا من النبات والثمار . ففي كل شيء خلق اللّه تعالى دليلا على وحدانيته تعالى وربوبيته وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني : خلق من جنسهم أصناف الذكر والأنثى ، وألوانا مختلفة وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ يعني : وخلق من الخلق ما لا يعلمون ، وهذا كقوله : وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ [ النحل : 8 ] . ثم ذكر لهم دلالة أخرى ليعتبروا بها ، فقال عز وجل : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ يعني : علامة وحدانيته الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ يعني : نخرج ونميز منه النهار فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ يعني : داخلون في الظلمة . ويقال : يبقون في الظلمة . ويقال : إن اللّه خلق الدنيا مظلمة . ثم قال : وَالشَّمْسُ سراجا ، فإذا طلعت الشمس ، صارت الدنيا مضيئة . وإذا غربت الشمس ، بقيت الظلمة . كما كانت ، وهو قوله تعالى : نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ يعني : ننزع الضوء منه فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ يعني : يبقون في الظلمة . ويقال : نسلخ الليل . يعني : نخرج منه النهار إخراجا لا يبقى منه شيء من ضوء النهار ، كما نسلخ الليل من النّهار ، فكذلك نسلخ النهار من الليل . فكأنه يقول : الليل نسلخ منه النهار . والنهار نسلخ منه الليل ، فاكتفى بذكر أحدهما ، لأن في الكلام دليلا . وقد ذكر في آية أخرى قال : يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [ الزمر : 5 ] . ثم قال عز وجل : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قال مقاتل : يعني : لوقت لها . وقال الكلبي : تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها ، ولا تتجاوزها . ثم ترجع إلى أول منازلها . وقال القتبي : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها يعني : إلى مستقر لها . ومستقرها أقصى منازلها في الغروب . وذلك لأنها لا تزال تتقدم في كل ليلة ، حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ، ثم ترجع فذلك مستقرها ، لأنها لا تجاوزها . وطريق آخر ما روي عن أبي ذر الغفاري - رضي اللّه عنه - قال : كنت جالسا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم عند غروب الشمس ، فقال : « يا أبا ذرّ أتدري أين تغرب الشّمس » ؟ قلت : اللّه ورسوله أعلم . قال : « فإنّها تغرب ، وتذهب حتّى تسجد تحت العرش ، وتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها ، حتّى تستشفع ، وتطلب ، فإذا طال عليها ، قيل لها : اطلعي مكانك ، فذلك قوله : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قال : مستقرّها تحت العرش » . ثم قال : ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ العزيز بالنقمة ، العليم بما قدّره من أمرها ، وخلقها . وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه كان يقرأ : والشّمس تجري لا مستقرّ لها يعني : لا تقف ، ولا تستقر ، ولكنها جارية أبدا . ثم قال عز وجل : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو وَالْقَمَرَ بالضم وقرأ الباقون : بالنصب . فمن قرأ بالضم ، فله وجهان . أحدهما أن يكون على الابتداء ،